ظرفًا لذلك، وجعلوا تعجيله من الإحسان إليهم، دلالة على الإغراق في الاستهزاء، وعبَّر بالقط زيادة في التنبيه على ركوب الهوى من غير دليل ... فكأنهم قالوا: عجل من ذلك ما يكون مقطوعًا به لا شك فيه ويسمع صوته على غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ويكتب في كل صك، ويتلى خبره في سائر الأحقاب، فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه أصلًا، فسبحان الحليم الذي أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة فلم يعجل لنا النقمة، وأقبل بقلوبنا إليه، وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه ... » [1] .
وقد ذكر الله تعالى حال هؤلاء المشركين الذين يسخرون من عذاب الله تعالى ويستبعدون وقوعه، بأنه آتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب والاستهزاء كما حاق بأسلافهم من الأمم السابقة، والقرون السالفة، مع ضعف هؤلاء، وقوة أولئك، وأنهم كانوا أكثر أموالًا وأولادًا واستعلاءً في الأرض، وعمارة لها [2] ، قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 5] .
قال ابن سعدي رحمه الله: «فسوف يرون ما استهزءوا به أنه الحق والصدق، ويبين للمكذبين كذبهم وافتراءهم، وكانوا يستهزئون بالبعث والجنة والنار، فإذا كان يوم القيمة قيل للمكذبين: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14] [3] .
(1) «نظم الدرر» (6/ 368) .
(2) «تفسير ابن كثير» (2/ 199) ، و «عمدة التفسير» (2/ 13 - 14) .
(3) «تيسير الكريم الرحمن ... » (2/ 174) .