حَسَدًا. فالحسد حَدُّه: كراهة النعمة وحُبُّ زوالها عن المنعم عليه.
الثانية: أن لا تُحِبَّ زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها. وهذه تسمَّى غبطة، وقد تختصُّ باسم المنافسة ... [1] .
فأمَّا الأول فهو حرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجرٌ وكافرٌ وهو يستعين بها على تهييج الفتنة، وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق، فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد، ولو أَمِنْتَ فساده لم يغُمَّك بنعمته، .... » [2] .
إذا تبيَّن أنَّ الحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير وكراهتها، فاعلم أنَّ أعداء الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد ارتكبوا هذا الداء من أدواء القلوب، وحسدوا الرسل ومن تبعهم من المؤمنين؛ على ما أنزل الله - تبارك وتعالى - على رسله - عليهم الصلاة والسلام - ومن أكبر من حسد أهل الإسلام قديمًا: اليهود والنصارى، كما جاء موضَّحًا في كتاب الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] . ففي سبب نزول هذه الآية أورد الإمام الطبري رحمه الله عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حييّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب من أشدِّ يهود للعرب حسدًا، إذ خصَّهُمُ الله برسوله - صلى الله عليه وسلم -
(1) ذكر الغزالي هنا حديثًا ينسبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: «إنَّ المؤمن يغبط والمنافق يحسد» ، قال العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 189، هامش 1) : «لم أجد له أصلًا مرفوعًا، وإنما هو من قول الفضيل بن عياض، وكذلك رواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد» .
(2) «إحياء علوم الدين» (3/ 189 - 190) .