حتى كره أبو حنيفة و محمد رضي الله عنهما أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف رحمه الله لما بلغه الأثر فيه. وتارة يقول: بجاه فلان عندك، يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك.
ومراده أن فلانًا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضًا محذور، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه - لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك [به] ، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك مرادًا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه العباس.
وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم، ونحو ذلك. فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع.
فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه: فإن أريد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محبًا له، مطيعًا لأمره، مقتديًا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والإقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، أو يراد به الاقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه.
وكذلك السؤال بالشيء، قد يراد به التسبب به، لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد [به] الإقسام به.