وعامًا بعد عام. وقال له الوجه: أوليس في موضعك طاقة تنظر منها. فقال الدقاق: بلى. ولكنها مظلمة. على أنه وإن تكن لي طاقة فلا أتجاسر على التطلع منها. حيث لا يمكن لي الوقوف ولو طرفة عين. والحاصل أن مللت هذا الحال. وإن استزدتني شرحًا. فإني أخبرك بما سبب لي الضجر من شغلي. وذلك أني حسبت في صباح هذا اليوم كمية المرار التي أغدو وأروح فيها مدة أربع وعشرين ساعة. فعظم ذلك علي. وقد يمكن تحقيق ذلك بمعرفة أحد الجلوس الذين فوق. فبادر عقرب الدقائق إلى العدد وقال بديهًا: إن عدة المرار التي ينبغي لك فيها المجيء والذهاب في هذه المدة الوجيزة. إنما تبلغ ستًا وثمانين ألفًا وأربع مئة مرة. فقال الدقاق: هو هكذا. فهل (والحالة هذه وقصتي قد رفعت لكم) يخال أن مجرد التفكير في هذا العمل لا يوجب عناء وتعبًا لمن يعانيه. على أني حين شرعت في ضرب دقائق ذلك اليوم في مستقبل الشهور والأعوام زالت مني قوتي ووهن عظمي وعزمي. وما ذلك بغريب. وبعد تخيلات شتى عمدت إلى الوقوف كما ترونني. فكاد الوجه في أثناء هذه المكالمة أن لا يتمالك عنه. ولكنه كظم غيظه وخاطبه بحلم وقال: يا سيدي الدقاق العزيز إني لفي تعجب عظيم من انقلاب شخص فاضل نظيرك لمثل هذه الوساوس بغتة. نعم إنك وليت عمرك أعمالًا جسيمة كما عملنا نحن كلنا أيضًا. وإن