ثم قام بالأمر بعده يزيد بن عبد الملك. وكان أبيض جسيمًا مليح الوجه خرج في أيامه يزيد بن المهلب فأرسل عليه أخاه مسلمة فقاتله وظفر به. ثم توفي يزيد لأربع سنين من خلافته بعد أن عهد بالخلافة إلى أخيه هشام. بويع له بالخلافة يوم مات أخوه. وكان حازمًا عاقلًا صاحب سياسة حسنة أبيض. وكان ذا رأي ودهاء وحزم وفيه حلم وقلة شره وقام بالخلافة أتم قيام. وكان يجمع الأموال ويوصف بالبخل والحرص. يقال إنه جمع من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبله. وفي أيامه غزا المسلمون بلاد الترك فانتصروا وغنموا شيئًا كثيرًا. وقتلوا من الأتراك مقتلة عظيمة وقتلوا ابن خاقان ملك الترك. وكان المتولي لحربهم أسد بن عبد الله القسري. وفي أيام هشام أيضًا خرج زيد بن زين العابدين ودعا إلى نفسه فأسرعت إليه الشيعة. وكان الوالي على الكوفة من قبل هشام يوسف بن عمر الثقفي. فجمع العساكر وناوش زيدًا القتال فأصاب زيدًا سهم في جبهته فحمل من المعركة فمات ودفن. فلما أصبحوا استخرجه يوسف من قبره فصلبوه. ومات هشام بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة. وكان مرضه الذبحة.
كان الوليد مقيمًا في البادية فلما مات هشام سار من فوره إلى دمشق وأقام في الخلافة سنة واحدة وكان أكمل بني أمية أدبًا وفصاحة وظرفًا وأعرفهم باللغة والنحو. وكان جوادًا مفضالًا. ومع ذلك لم يكن بني أمية أكثر إدمانًا للشراب والسماع ولا اشد مجونًا وتهتكًا واستخفافًا بأمر الأمة من الوليد بن يزيد. فأجمع أهل دمشق على خلعه وقتله لاشتهاره بالمنكرات وتظاهره بالكفر والزندقة. فلم يلبث إلا أيامًا يسيرة حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على شرافات قصره ثم على أعلى سور بلده. ولما قتل اضطربت البلاد واستنصر على بني أمية أعداؤهم ولم تقم لهم قائمة بعده. ثم تولى يزيد الثالث ابن الوليد وابن عمر الوليد بن يزيد وسمي الناقص فتفاءل بنو أمية بولايته فأقام في الخلافة والأمور مضطربة عليه. وكان مظهرًا للنسك محمود السيرة مرضي الطريقة ويتخلق بأخلاق عمر بن عبد العزيز. وكان ذا دين وورع إلا أنه لم يمتع وبغتته المنية.
ثم بويع أخوه إبراهيم فلم يلبث له أمر. ومكث سبعين يومًا فسار إليه مروان بن محمد. فبز إليه الخليفة وعسكر دمشق فخذله جنده وحاصروا عليه بعد أن أنفق عليهم الخزائن واختفى أمرهم فبايع الناس مروان واستوثق له الأمر وخلعوا إبراهيم. وظهر السفاح بالكوفة. وبويع له بالخلافة. فجهز جيشًا لقتال مروان بن محمد فالتقى الجمعان قرب الموصل. فهزم مروان وقتل في هربه وظهرت دولة بني عباس وانقرضت دولة بني أمية (لأبي الفداء) .
تم بحوله تعالى