فهرس الكتاب

الصفحة 1857 من 1899

كتب بديع الزمان الهمذاني إلى أبي عامر عدنان الضبي يعزيه ببعض أقاربه

إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا

أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب. وخصوصه بالرغائب. فهو يدعو الجفلى إذا ساء. ويختص بالنعمة إذا شاء. فلينظر الشامت فإن كان أفلت. فله أن يشمت. وينظر الإنسان في الدهر وصروفه. والموت وصنوفه. من فاتحة أمره. إلى خاتمة عمره. هل يجد أثرًا في نفسه أم لتدبيره. عونا على تصويره. أم لعمله. تقديما لأمله. أم لحيله. تأخيرا لأجله. كلا بل هو العبد لم يكن شيئًا مذكورًا. خلق مقهورًا. ورزق مقدورًا. فهو يحيا جبرًا. ويهلك صبرًا. وليتأمل المرء كيف كان قبلًا. فإن كان العدم أصلًا. والوجود فضلًا. فليعلم الموت عدلًا. والعاقل من رفع من حوائل الدهر ما ساء ليذهب ما ضر بما نفع. وإن أحب أن لا يحزن فلينظر يمنة. هل يرى إلا يمنة. ثم ليعطف يسرة. هل يرى إلا حسرة. ومثل الشيخ الرئيس من تفطن لهذه الأسرار. وعرف هذه الديار. فأعد لنعمتها صدرا لا يملؤه فرحا. ولبؤسها قلبا لا يطيره جزعا. وصحب الدهر برأي من يعلم أن للمتعة حدا. وللعارية ردا. ولقد نعي إلي أبو قبيصة قدس الله روحه. وبرد ضريحه. فعرضت علي آمالي قعودا. وأماني سودا. وبكيت والسخي بما يملك. وضحكت وشر الشدائد ما يضحك. وعضضت الإصبع حتى أفنيته. وذممت الموت حتى تمنيته. والموت خطب قد عظم حتى هان. وأمر قد خشن حتى الآن. ونكر قد عم حتى عاد عرفا. والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها. وجنت حتى صار أصغر ذنوبها. وأضمرت حتى صار أيسر غيوبها. وأبهمت حتى صار أظهر عيوبها. ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها. وأزكى ما في خزانتها. ونحن معاشر التبع نتعلم الأدب من أخلاقه. والجميل من أفعاله. فلا نحثه على الجميل وهو الصبر. ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر. فلير فيهما رأيه. إن شاء الله تعالى (رسائل بديع الزمان الهمذاني)

كتابي عن سلامة، وما سلامة من يرى كل يوم ركنا مهدودًا. ولحدا ملحودًا. وأخا مفقودًا. وحوضا من المنية مورودًا. ويعلم أن أيامه مكتوبة. وأنفاسه محسوبة. وإن شباك المنايا له منصوبة. أف لهذه الدنيا ما أكدر صافيها. وأخيب راجيها. وأغدر أيامها ولياليها. وأنغص لذاتها وملاهيها. تفرق بين الأحباء والأحباب بالفوات. وبين الأحياء والأموات بالرفات. ورد علي خبر وفاة فلان. فدارت بي الأرض حيرة. وأظلمت في عيني الدنيا حسرة وملأ الوله والوهل قلبي وساوس وفكرة. وتذكرت ما كان يجمعني وإياه من سكري الشباب والشراب. فعلمت أنه شرب بكاس أنا شارب من شرابها. ورمي بسهم سوف أرمى بها. فبكيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت