ومن القرناء فريدًا. وعن الأتراب بعيدًا شريدًا. فمن كان مسكنه التراب. كيف يساكن الأتراب. من علم بأن العمر وإن طاب قصير. وأن كلًا إلى الفناء يصير. بات على خشن الحصير. وأفطر على قرص الشعير. ورضي من الدنيا باليسير. وعلم أن فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. أنا نظرت إلى الدنيا وخرابها. وإلى الآخرة واقترابها. وإلى القيامة وحسابها. وإلى النفس واكتسابها. فشغلني التفكر في حالي عن منزلي الخالي. وأذهلني ما علي وما لي. وأذهبني عن أهلي ومالي. وأهمني صحتي واعتلالي. عن القصور العوالي. فجلا اليقين عن بصر بصيرتي كل شبهة. فعلمت أن لا فرصة تدوم ولا نزهة. وأنه كل شيء هالك إلا وجهه. فعرفت من هو. وما عرفت ما هو. وحيث كنت فلا أرى إلا هو. فإذا نطقت فلا أقول إلا هو. (قال) : فأخذت موعظته بمجامع قلبي. وخلعت عني ملابس عجبي.
(قال) : وبينما أنا في هذه الحال إذ صاحت الدرة من عمل عملي فهو مسعود. ومن حذا حذوي فهو موعود بدار الخلود. ألا تراني لما علت همتي وسمت عزيمتي. كيف غلت قيمتي. فلم أرض لنفسي. ما يرتضيه أبناء جنسي. لكني نظرت إلى الوجود. وما فيه فرأيت آدم وبنيه من دون الكل هو المقصود. خلق الله الكائنات من أجلهم وخلقهم من أجله. فوصل حبلهم بحبله. وفعل معهم ما هو من أهله.