فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 499

{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)}

«إن قيل» : كيف نفى الخوف عن الأولياء في مواضع نحو قوله:

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ومدحهم بذلك في مواضع نحو قوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}

وقوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} قيل أما نفي الخوف والحزن عنهم فقد قيل: لفظه الخبر، ومعناه: النهي كقوله: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} وقيل هو خبر لكن مدحهم بها في الدنيا وحثهم عليها وأمنهم منها في الآخرة كما روى:"من خاف الله في الدنيا أمنه الله في الآخرة"

وعلى ذلك حكى عنهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}

أيضا: فإن الخوف الذي مدح به المؤمنين، وحثوا عليه ليس يراد به استشعار الرعب المترقب مضرته، وإنما يراد به فعل الخيرات المأمور بها المذكور في قوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ، والكف عن المعاصي، منهي النفس عن الهوى المذكور في قوله:

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}

والخوف والحزن المنفيان عنهم استشعار الغم الذي يكون من ذوي العدوان، وكذلك روي:"لا يرجون امرؤ إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه"

وأيضًا فالحزن إنما يكون لفوت محبوب، الخوف يكون لفقد مطلوب، والمتبع لهدي الله هو المؤمن الحكيم، الذي لا يقتني لنفسه فضولًا من الأعراض، وما اقتناه لضروراته علم أنه [[يعرض الأعراض] ] وأنه عارية مستردة، فلا يحزن على استرداها، ولا يطلب المستغنى عنه، وما طلبه بعد وجوبه عليه طلبه عالمًا أن الله لا يبسط لأحد دنيا إلا اغترارًا واختبارًا، فإذا منح قام بحقوقه شاكرًا، وإذا منع استغنى عنه صابرًا، فهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في دنياهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت