فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 499

«إن قيل» : كيف قال (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) والإِثابة تُقال في المحبوب دون المكروه؟!

قيل: قد قال بعضهم: إن ذلك يستعمل في المكروه على أحد وجهين:

إمّا لأن الثواب في الأصل ما يرجع إلى الإِنسان من ثمرة فعله خيرًا كان أو شرًّا، ولكن تعورف في الخير، فإذا استعمل في المكروه فعلى اعتبار الأصل.

والثاني: أن ذلك على الاستعارة، وضرب من التهكُّم

في كلامهم، كقوله:

.. . تحية بينهم ضرب وجيع

وقال بعض المحققين: إنما ذكر لفظ الإثابة هاهنا في الغمّ، لأن

غمّهم وإن كان مكروهًا بالطبع فهو ثواب من الله من وجه، لأنه

كان سبب تهذيب نفوسهم، الذي بيّنه تعالى بقوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) ، وكل أمر يؤدي بالإنسان إلى أن يجعله بحيث لا يقلقه فوت مطلوب وفقد محبوب فيا له من ثواب، ولهذا قال حكيم: جماع الزهْادة في قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)

فقوله: (غَمَّا) من المفسرين من اعتبر الغمّين بالمسلمين وقال: أحدهما: ما وصل إلى قلوبهم من الفشل.

والثاني: الخوف.

وقيل: أحدهما: مخالفتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

والثاني: فوت الغنيمة.

وقيل: ما سمعوا من قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -

وقيل: إشراف أبي سفيان عليهم.

والوجه: أن كل ذلك مراد، لأنه ليس يعني بذلك غمّين، بل غمومًا كثيرة متتابعة

متوالية كقولهم: لبّيك وقوله: (بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ)

أي نعمه متوالية، ومنهم من اعتبر أحد الغمين بالمسلمين والآخر بالكافرين. فقال: أنالوكم مثل ما أنلتموهم، تنبيهًا على معنى قوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت