قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ)
«إن قيل» : كيف حرَّم هو على نفسه ما كان مباحا فأقره الله عليه، وحرّم النبي - صلى الله عليه وسلم - جاريته فعاتبه ومنعه؟
قيل: إن إسرائيل إما أنه حرَّم على نفسه لحم الإِبل، لأنه لم يكن يوافقه.
وكان واجبًا عليه تركه.
فإن الله تعالى جعل الطعام ليتوصل به إلى صلاح البدن.
وما يؤدي إلى فساده فواجب علينا تركه.
وإما أنه حرَّم ذلك تقربا إلى الله كما يُحرم الصائم الطعام، وكما يُحرم المعتكف على نفسه بعض التصرفات، ولم يكن تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - علي أحد هذين الوجهين، بل لما ذكره تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ، ولأن في تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - تضييع حق متعلق به للغير، وهو حق الجارية. وليس ذلك في فعل إسرائيل، وأيضًا فإن إسرائيل لما حرَّم أشهى الطعام إليه قصد بذلك قمع الشهوة، وبنحو
ذلك يهذب الحكيم نفسه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم جاريته تبع هوى غيره، وهو مرضاة أزواجه، وذلك مكروه، فلم يقرَّ عليه،
ذكر بعض الصوفية أن في ذلك تفضيلًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهين:
أحدهما: أنه لما حرَّم إسرائيل على نفسه ما أحبه أمضاه، وحرم
النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفسه فعافاه.
والثاني: أن بني إسرائيل ما كانوا يلتزمونه مما لم يكن قربة في الشريعة يلزمهم الوفاء به تشديدا عليهم، وعلى ذلك دل قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)
وقال - صلى الله عليه وسلم:"شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم"
ورُفِعَ عن هذه الأمة ذلك فضيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.