قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الآية (169)
«إن قيل» : إن كان التقول على الله عز وجل بما لا يعلم من عمل الشيطان، فكيف يصح الحكم بغالب الظن في كثير من الأحكام، فإن عامة فروع الفقه مبنية علي غلبة الظن؟
قيل: أما أولًا: فليس ذلك تقولًا على الله تعالى، وإنما ذاك تقول على أحكام، وقد فرق المتكلمون بين الحكمة العلمية وبين الحكمة العملية وقالوا: كل ما كان من الحكمة العلمية، وهي التي لا عمل لها كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإنه لا يجوز أن يحكم فيه إلا بالعلم المصون عن الشوائب، وما كان من الحكمة العملية فأصولها كذلك، وأما فروعها: فيجور الحكم فيها بغلبة الظن لتفسيح صاحب الشرع لنا في ذلك، فصار حكمنا فيه من هذا الوجه حكمًا بالعلم، لأنه إذا قال لنا: إذا غلب في ظنك أن القبلة في هذا الجانب، فصلِّ إليه، وإذا شهد عندك شاهدان مزكيان فاحكم بشهادتهما، صرنا عالمين بأن هذا الحكم واجب علينا في الظاهر، وهذه مسلمة قد أحكمت في أصول الفقه.
وأما سؤال من سأل من المتكلمين في هذه الآية بأنه كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نسمع قوله ولا نرى شخصه، وما الحكمة في إيصال الله- عز وجل- أمر الشيطان إلى نفوسنا، فهذا وما يجري مجراه من الأسئلة سؤال من لم يتخط المحسومات والموهومات إلى باب المعقولات، ومحال الاشتغال معه بهذه الحرمات.