قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)
«إن قيل» : ما وجه جواز مواصلتهم والاستعانة بهم واتخاذهم عبيدًا، وذلك ضرب من الموالاة؟
فالجواب منْ أوجهٍ:
الأول: أن هذه الآيات تقتضي المنع من موالاتهم، إلا ما خُصّ، وفُسِحَ لنا فيه.
والثاني: أن الموالاة المطلقة هي أن تواليهم في جميع الأمور.
فأما في شيء دون شيء فليس ذلك بموالاة.
الثالث: أن يكون ذلك مخصوصا في الموالاة الدينية.
الرابع: أن الموالاة على ضربين:
موالاة الأرفع للأوضع، وذلك باستخدامه إياه ورعايته والحماية عليه، وموالاة الأوضع للأرفع وذلك بالخدمة.
والذي نهُي عنه المسلم جزمًا هو أن يوالي الكافر موالاة الأوضع للأرفع بالخدمة له والاستعانة به استعانة الذليل بالعزيز، لا أن يستعين به استعانة العزيز بالذليل والمخدوم بالخادم، فذلك مرخَص فيه، وذاك لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"الإِسلام يعلو ولا يُعلى"
ومن هذا رُخص أن ننكح منهم دون أن ينكحوا فينا، وأن نملك أرقاءهم ولا يملكوا أرقاءنا، وأن نرثهم في قول من يرى ذلك، ولا يرثونا بوجه، ثم قد يكره لمن لم يَقِرّ في الإِسلام المصاهرة إليهم، والاستعانة في المهن بهم
تفاديًا أن يُغروه، وذلك ما قال عليه الصلاة والسلام لحذيفة لما تزوج بمشركة:"دعها فإنها لا تحصنك".
بل لذلك قال:"مثل الجليس الصالح كمثل الداريِّ إن لا يحذك من عطره تَعَلَّقَك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القَيْن إن لا يحرقك بشرره يؤذك بدخانه".
وقال بعض الحكماء:
"إياك ومجالسة الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه، وأنت لا تدري".