فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 499

«إن قيل» : هل يجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى قال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) ؟

قيل: إن قولك يجوز أو لا يجوز. إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك.

وقولك: ما كان لك أن تفعل كذا، وقولك: ما كنت لتفعل كذا متقاربان، وهما تعليلان بمعنى، وإن كان أكثر ما يقال للأول لما كان الإِحجام عنه من قبل نفسه، ويدلّ على أنه قد يقال: ما كان لك أن تفعل كذا - لمِا ذكرنا - قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) ، لأن معناه: ما كان لله ليتخذ ولدا

في أنه لا نهي، وعلى هذا قوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) .

فقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) أي ما كان المؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، وهذا ظاهر، وهذا المعنى أراد من قال معناه: ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، ولكن يقع ذلك منه خطأ.

وكذا من قال: ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ.

وقال الأصم: معناه ليس القتل لمؤمنٍ بمتروك لا يقتص له إلا

أن يكون قتله خطأ، وهذا يرجع إلى الأول.

وقول بعض النحويين: إن هذا استثناء خارج فليس على التقدير الذي

ذكرناه، كذلك، بل هو واجب، وذكر على بن موسى القمّي

أن معنى ذلك: ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يراه في دار

الحرب، فيظنه كافرا فيقتله خطأ، فيكون الخطأ راجعًا إلى القاتل

في كونه غير عالمٍ بحال المقتول، وأما من قال: معنى (إِلَّا خَطَأً) ولا خطأ، واستدلاله بقول الشاعر:

وكلّ أخ مفارقه أخوه. . . لعَمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ

أي: ولا الفرقدان، فذلك تشبيه فيه ما أرى أن محققي النحويين يوافقونه.

وقيل: الخطأ في الأصل على وجوه، منها:

أن يقع بلا قصد من القاتل إلى القتل، ولا إلى الإِتيان به بوجه.

كمن سقط من يده شيء فأصاب نفسه فقتله، ومنها أن يقصد

إصابة الشيء غير المقتول، فاتفق إصابته فقتله، كمن يرمي صيدًا

فأصاب إنسانًا فقتله، أو يقصده ولكن لا بسلاح يقتل مثله، أو

يقصده بسلاح لكن لا يريد قتله، أو يقصده بسلاح ويريد قتله

لكن لا يعلمه محظور القتل، كمن يرمي مسلمًا في صف المشركين.

أو يقصده بسلاح ويريد قتله لا في دار الحرب، لكن القاصد غير

مكلف كالصبي والمجنون، وكل ذلك يقال له: قتل الخطأ، لكن

لذلك تعارف في الشرع هو المُراعى، وقد وبيّن ذلك في كتب الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت