اتفق أهل العلم جميعًا على تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا وإسرافًا وعلى إن ذلك من الكبائر؛ لقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيثلون سعيرًا} [النساء: 10] ، وقوله: {ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا} ، فإن لم يكن إسرافًا وبدارًا فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي، فإن كان غنيًا فقد اختلف فيه، فقيل: لا يأكل شيئًا؛ لقوله تعالى: {ومن كان غنيًا فليستعفف} ، فبعضهم يرى ذلك محظورًا ويرى الأمر أمر وجوب. وبعضهم يراه مكروهًا ويرى الأمر أمر ندب، وقيل: مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه وانتفاع اليتيم به في حسن
نظره إليه، فإن لم يكن له في ذلك خدمة ولا عمل سوى أن يتفقده ويشرف عليه لم يكن له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، ومثل الفاكهة في ثمر حائطه لا يركب دوابه فيكون الأمر على هذا إباحة، وإن كان الولي فقيرًا فقد اختلف فيه أيضًا، والاختلاف في ذلك يأتي على حسب اختلافهم في قوله تعالى: {ومن كان منكم فقيرًا فليأكل بالمعروف} ، وذلك أنهم اختلفوا فيه: هل هو منسوخ أم محكم؟ والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في ناسخه: فذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} [البقرة: 188] ، وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخها {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا} [النساء: 10] الآية، كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس وقال غيره عن ابن عباس: نسخ اله تعالى منها الظلم والاعتداء بقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا} الآية، والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويله، فروي عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها في اليتيم، إذا
كان اليتيم فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنيًا أنفق عليه بقدر غناه.