فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في إعجاز القرآن، والمشهور عند الجمهور الاقتصار على بلاغته وفصاحته، حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفى على أهل هذا الشأن، حتى النساء كما يحكى أن الأصمعي وقف متعجبا من امرأة تنشد شعرا فقالت: أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فقد جمع أمرين، ونهيين، وبشارتين، أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق، وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له قائلا: إن الإعجاز المتعلق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، فإن الألفاظ ألفاظهم، كما قال تعالى: (قرآنا عربيا) (بلسان عربي) ولا بمعانيه فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة كما قال تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} وما فيه من المعارف الإلهية وبيان المبدإ والمعاد، والإخبار بالغيب، فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونه حاصلا من غير سبق تعليم، وتعلم، ولكون الإخبار بالغيب إخبارا بما لا يعتاد سواء كان بهذا النظم، أو بغيره، موردا بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة، أو إشارة، فإذا هو متعلق بالنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه، لا بعنصره، كالخاتم، والقرط، والسوار، إذا كان الكل من ذهب مثلا، فإن الاسم مختلف والعنصر واحد، وكالخاتم المتخذ من ذهب وفضة وحديد، يسمى خاتما، والعنصر مختلف، فظهر أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بنظمه المخصوص، وإعجاز نظمه قد سلف بيانه، وأنت تعلم ما فيه، وإن كان قريبا إلى الحق، وأبعد الأقوال عندي كونه بالصرفة المحضة حتى أن قول المرتضى فيها غير مرتضى كما لا يخفى على من أنصفه ذهنه، واتسع عطنه، وأبعد من ذلك كونه بالقدم، كما هو قريب ممن هو حديث عهد بما تقدم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام من بيان اختلاف الناس أيضا في تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته، ويتضح لك ما هو الحق الحقيقي بالقبول، والله تعالى المبتغى، والمسؤول ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار، وهذا أوان تقبيل شفاه الأقلام حروف سبحان كلام الله تعالى العلام. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 2 - 33}