فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله تعالى وكمال قدرته، لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التي اقترحوها، وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضى ذلك.
وجملة {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} معترضة لتقرير مضمون ما قبلها.
والتعبير بثم في قوله {ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد، وجمعهم ليس يسيرا في ذاته، وإن كان بالنسبة لقدرته تعالى أمرا هينا.
ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها. ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله تعالى: {وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ} وفي الحديث الشريف عن أبي ذر الغفارى أن النبي صلى الله عليه وسلم"رأى شاتين تتناطحان فقال: يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان؟"
قال: لا. قال: ولكن الله يدرى ويقضى بينهما"."
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : أما كفى قوله {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} حتى ضم إليه {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} ؟
قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدي واحد وهو المعنى في قوله:
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين.
وهنا تخريج آخر لقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} بأن المعنى: ما عليك شيء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء، وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من شيء ، أي أنت مبشر ومنذر ومبلغ للناس جميعاً سواء منهم الفقير والغني، فكيف تطرد فقيراً لفقره، وتقرب غنيا لغناه؟
إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين، ومعاذ الله أن يكون ذلك منك.
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ(61)
{وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} أي: وهو الغالب المتصرف في شئون خلقه يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وأماتة وإثابة وعقابا إلى غير ذلك، والمراد بالفوقية فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة.
قال الإمام الرازي: وتقرير هذا القهر من وجوه: