وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ.
(وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يتحيرون.
(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)
عِبَارَةٌ عَمَّا يُوَسْوِسُ بِهِ شَيَاطِينُ الْجِنِّ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ.
وَسُمِّيَ وَحْيًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ خِفْيَةً، وَجَعَلَ تَمْوِيهَهُمْ زُخْرُفًا لِتَزْيِينِهِمْ إِيَّاهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الذهب زخرفا.
وكل شيء حَسَنٍ مُمَوَّهٍ فَهُوَ زُخْرُفٌ.
وَالْمُزَخْرَفُ الْمُزَيَّنُ.
وَزَخَارِفُ الْمَاءِ طَرَائِقُهُ.
وَ (غُرُوراً) نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ مَعْنَى (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) يَغُرُّونَهُمْ بِذَلِكَ غُرُورًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْغُرُورُ الْبَاطِلُ.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) قَالَ: مَعَ كُلِّ جِنِّيٍّ شَيْطَانٌ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسِيٍّ شَيْطَانٌ، فَيَلْقَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا فَأَضِلَّ صَاحِبَكَ بِمِثْلِهِ.
وَيَقُولُ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَحْيُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ.
وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ
وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ) ، فَهَذَا يُبَيِّنُ مَعْنَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ من صحيح السنة قول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) قِيلَ: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أَنَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) .
رُوِيَ (فَأَسْلَمُ) بِرَفْعِ الْمِيمِ وَنَصْبِهَا.
فَالرَّفْعُ عَلَى مَعْنَى فَأَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِ.
وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى فَأَسْلَمَ هُوَ.