فَلَمَّا عَرَّفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَفْسِهِ ازْدَادَ مَعْرِفَةً فَقَالَ: (أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ) وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَالتَّوْبِيخِ، مُنْكِرًا لفعلهم.
والمعنى: أهذا ربي، أو مثل هَذَا يَكُونُ رَبًّا؟ فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ.
وَفِي التَّنْزِيلِ (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) أَيْ أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ.
وَقَالَ الْهُذَلِيُّ:
رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فَقُلْتُ وأنكرت الوجوه هم هم
آخَرُ:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى هَذَا رَبِّي عَلَى زَعْمِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) وَقَالَ: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَيْ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ هَذَا رَبِّي، فَأُضْمِرَ الْقَوْلُ، وَإِضْمَارُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِي هَذَا رَبِّي، أَيْ هَذَا دَلِيلٌ على ربي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً)
نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ رُؤْيَةِ العين.
بزغ يبزغ إِذَا طَلَعَ.
وَأَفَلَ يَأْفِلُ أُفُولًا إِذَا غَابَ.
وَقَالَ: (هَذَا) وَالشَّمْسُ مُؤَنَّثَةٌ، لِقَوْلِهِ (فَلَمَّا أَفَلَتْ) فَقِيلَ: إِنَّ تَأْنِيثَ الشَّمْسِ لِتَفْخِيمِهَا وَعِظَمِهَا، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ نَسَّابَةٌ وَعَلَّامَةٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ: (هَذَا رَبِّي) على معنى: هذا الطالع ربي
قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا: أَيْ هَذَا الضَّوْءُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ: أَيْ هَذَا الشَّخْصُ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
قَامَتْ تُبَكِّيهِ عَلَى قَبْرِهِ ... مَنْ لِي مِنْ بَعْدِكَ يَا عَامِرُ
تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا غُرْبَةٍ ... قد ذل من ليس له ناصر.
(فَقَدْ وَكَّلْنا بِها)
جَوَابُ الشَّرْطِ، أَيْ وَكَّلْنَا بِالْإِيمَانِ بها
(قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) يريد الْأَنْصَارَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي النَّبِيِّينَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.