الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) ، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} لا يدركه علم العلماء، ونظيره {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، وهذا وجه حسن.
وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح.
قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيراً من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟
وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) .
وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقاً
للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك وذكرنا قول الزجاج في معنى {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} .
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}
«فإن قيل» : إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم وأن يكلمهم الموتى، مع أن ذلك مما [يبهر] ظهوره، ويضطرب مشاهدته، فكيف يؤمنون بالكفالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر، ويجوز أن لا يصدقوا بكفالتهم، وأي أعجوبة في كفالتهم حتى تذكر مع إنزال الملائكة وكلام الموتى؟