«فَإِنْ قِيلَ» : الْبَيِّنَةُ وَالْهُدَى وَاحِدٌ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّكْرِيرِ؟
قُلْنَا: الْقُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيمَا يُعْلَمُ سَمْعًا وَهُوَ هُدًى فِيمَا يُعْلَمُ سَمْعًا وَعَقْلًا فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْفَائِدَةُ صَحَّ هَذَا الْعَطْفُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى رَحْمَةٌ أَيْ إِنَّهُ نِعْمَةٌ فِي الدِّينِ.
(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(160)
قَالَ بَعْضُهُمْ: التَّقْدِيرُ بِالْعَشَرَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْدِيدَ بَلْ أَرَادَ الْأَضْعَافَ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ لَئِنْ أَسْدَيْتَ إِلَيَّ مَعْرُوفًا لَأُكَافِئَنَّكَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهِ وَفِي الْوَعِيدِ يُقَالُ: لَئِنْ كَلَّمْتَنِي وَاحِدَةً لَأُكَلِّمَنَّكَ عَشْرًا وَلَا يُرِيدُ التَّحْدِيدَ فَكَذَا هاهنا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْدِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) [البقرة: 261] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أَيِ إلا جَزَاءُ يُسَاوِيهَا وَيُوَازِيهَا.
رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ الْحَسَنَةُ عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فَالْوَيْلُ لِمَنْ غَلَبَ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ»
وَقَالَ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَعَشْرٌ أَمْثَالُهَا وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا وَإِنَّ عَمِلَهَا فَسَيِّئَةً وَاحِدَةً»
وَقَوْلُهُ: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أَيْ لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ طَاعَتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى عِقَابِ سَيِّئَاتِهِمْ
فِي الآية سؤالات:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كُفْرُ سَاعَةٍ كَيْفَ يُوجِبُ عِقَابَ الْأَبَدِ عَلَى نِهَايَةِ التَّغْلِيظِ؟