قرآ الأفعال الثلاثة «يجعلونه، يبدونها، ويخفون» بياء الغيبة، وذلك لمناسبة الغيبة في قوله تعالى في صدر الآية: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الخ.
وقرأ الباقون الأفعال الثلاثة بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو ردّا على المخاطبة التي قبل في قوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى الخ أي قل لهم ذلك.
قال ابن الجزري:
ينذر صف ...
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «ولتنذر» من قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (سورة الأنعام آية 92) .
قرأ «ولينذر» بياء الغيبة، على أن الفعل مسند إلى ضمير «الكتاب» والمراد
به «القرآن الكريم» كما قال تعالى في سورة الأنبياء (آية 45) : قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ.
وقرأ الباقون «ولتنذر» بتاء الخطاب، والمخاطب نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم فهو فاعل الإنذار، كما قال تعالى في سورة النازعات (آية 45) : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. والإنذار: إخبار فيه تخويف، قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (سورة الليل آية 14) .
قال ابن الجزري:
.بينكم ارفع في كلا ... حقّ صفا
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كلا» ومدلول «حقّ» ومدلول «صفا» وهم: «حمزة، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وشعبة، وخلف العاشر» «بينكم» من قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (سورة الأنعام آية 94) . قرءوا «بينكم» برفع النون، على أنّ «بين» اسم غير ظرف معناه «الوصل» فأسند الفعل إليه، والمعنى: لقد تقطّع وصلكم، وإذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المراد من الآية.
وإنما استعملت «بين» بمعنى «الوصل» لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين بمعنى «الوصل» تقول: بيني وبينه رحم وصداقة، أي بيني وبينه صلة، فلما استعملت بمعنى الوصل جاز استعمالها في الآية كذلك.