مثله: إنه عقد اليمين عليه ، لا على معنى أنه عزم على فعل شيء ، فإن اليمين يعقد على فعل الغير من غير أن يصح العزم عليه ، وإنما معناه أنه يظهر المحلوف عليه ، ويحيل إلى غيره تحقيقه ، فينظر ما يكون من عاقبة يمينه ، وفي الماضي إظهار الصدق قائم ، وقصد تحقيق القول قائم ، فيقال عقد اليمين ، أي قصد تحقيق قوله وتصديق نفسه ، فهو عقد من هذا الوجه.
يبقى أن يقال هو في علم اللّه تعالى غير منعقد.
فيقال هو في علم اللّه تعالى ، وإن لم يفصد تحقيق ما حلف لعلمه به ، ففي المستقبل ربما لا يتصور منه العقد ، ولكن يحيل العقد ، وربما ظن الصدق في الماضي ، فيقصد تحقيق قوله بعقد اليمين ، فسمي عقدا من هذا الوجه.
واعلم أنه قد تبين بما قدمناه ، أن كل عهد وعقد لا يجب الوفاء به ، فمطلق قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، محمول على القيد في قوله:
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) «1» .
وإنما عنى به العقد مع اللّه سبحانه فيما أمر اللّه تعالى عباده بالوفاء به وإلا فكل يمين على منع النفس من مباح أو واجب ، فذلك مما لا يجب الوفاء به لقوله صلّى اللّه عليه وسلم:
«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» «2» .
(1) سورة النحل آية 91.
(2) أخرجه الامام احمد في مسنده ، والامام مسلم في صحيحه ، والترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.