وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - واللَّه أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...) الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين.
وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل تغليظ، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...(38)
فَإِنْ قِيلَ لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟!
قيل - واللَّه أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق.
وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق.
وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...(38)