قال تعالى"ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون".
فهذه الأعمال التي ذكرها الله عز وجل في الآية وجزاء الله تعالى عليها ينبغي بعدها أن لا يتخلف أحد عن الجهاد، فإنه قال"ذلك بأنهم"والباء هنا سببية، أي لا ينبغي لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه بسبب أنه لا يصيبهم
وهذا يدل على عظمة هذه الأعمال وجزاءها عند الله عز وجل.
وتعقيب قوله تعالى"ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون"بعد هذه الأعمال يدل على أن الأعمال السابقة من أحسن أعمالهم.
والشاهد هو قوله"ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار"أي لا ينزلون منزلا ويطؤون بأقدامهم مكانا يغيظ منه الكفار إلا كتب لهم بهذا عمل صالح، وهذا يدل على فضله وأنه محبوب إلى الله، كيف لا وهو يغيظ أعداؤه، وإغاظة الكفار مقصد عظيم للشارع كما قال تعالى"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار".
قال ابن القيم في المدارج عن الإغاظة أنها"عبودية خواص العارفين، وهي تسمى عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولوا البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، أحدها قوله"ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة"سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما، يراغم به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين"وقال تعالى في مثل رسول الله وأتباعه"ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار"فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب، مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية، وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين، وقال:"إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان"وفي رواية"ترغيما للشيطان"وسماها المرغمتين."
فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حُمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل.
وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله"انتهى."