وفي لفظ"ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا، ولا أن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا، لما يرى من فضل الشهادة"رواه مسلم.
وهذا الحديث على إبهامه لكنه من أعظم ما يبين فضل الشهادة، فإن الشهيد عندما يقتل ويرى الكرامة وفضل الشهادة ما هو فوق ما كان يتصوره ويرى الفضل العظيم يتمنى أن لو يعود حتى يحصل هذا الفضل مرة أخرى، بل وعشر مرار.
عن أنس رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كنتم مني قريبا، فتقدم فأمنوه، فبينما يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل - قال همام فأراه آخر معه - فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم:"أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم"فكنا نقرأ: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا، ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم"متفق عليه."
وفيه أنهم استشهدوا، فأخبروا أنهم قد لقوا الله عز وجل، وأن الله تعالى قد رضي عنهم.
الحادي والعشرون: أن الشهيد يرضى عن الله تعالى:
ففي حديث أنس السابق في شهداء بئر معونة"فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"متفق عليه.
فلا يزال الشهيد يعطيه الله تعالى من الكرامات والأعطيات والفضائل حتى يرضى عن الله تعالى في عطائه، وهذا يدل على أنه يعطى شيئا عظيما حتى يصل إلى حد الرضا، ولهذا كما سبق يتمنى العودة إلى الدنيا لأجل الشهادة.
ومن زيادة رضا الشهيد عن الله تعالى في عطائه أنه لا يريد الزيادة على ما هو عليه، فقد جاء في سنن الترمذي عن مسروق عن ابن مسعود: أنه سئل عن قوله"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"فقال:"أما إنا قد سألنا عن ذلك فأخبرنا"أن أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع إليهم ربك اطلاعة، فقال: هل تستزيدون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: ربنا وما نستزيد ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا؟ ثم أطلع إليهم ثانية فقال: هل تستزيدون شيئا فأزيدكم، فلما رأوا أنهم لم يتركوا، قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا، فنقتل في سبيلك مرة أخرى"وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وأصله في مسلم."
والمراد أن الله تعالى قال لهم"هل تستزيدون شيئا فأزيدكم"فقالوا: ربنا ما نستزيد نحن في الجنة نسرح حيث شئنا"."