وقال تعالى"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم".
فأثنى الله عز وجل على الصحابة الذين استجابوا للأمر بالخروج إلى قتال المشركين بعد غزوة أحد، وكانت الجراح قد أنهكتهم، والمصاب قد عمهم، ومع ذلك تجلدوا وخرجوا وهم كذلك.
قال ابن كثير في تفسيره"وقوله تعالى:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح"هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه، لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم"انتهى.
قال العز بن عبد السلام في أحكام الجهاد وفضائله"التجلد على ما يصيبنا في طاعة الله وجهاد أعداء الله صلابة في ديننا، وموهن لقلوب أعدائنا"انتهى.
قال تعالى"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص".
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:"كأنهم بينان مرصوص"قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا"الآية قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره، وإن الله صف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عصمة لمن أخذ به.
وقال الثعلبي في الكشف والبيان""كأنهم بنيان مرصوص"قد رصّ بعضه إلى بعض، أي أحكم وأتقن وأدقّ، فليس فيه فرجة ولا خلل، وأصله من الرصاص، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"تراصوا بينكم في الصفوف لا يتخللنكم الشياطين كأنها بنات حذف""انتهى.
وقال ابن سعدي في تفسيره"هذا حث من الله لعباده على الجهاد في سبيله، وتعليم لهم كيف يصنعون، وأنه ينبغي لهم أن يصفوا في الجهاد صفا متراصا متساويا، من غير خلل يقع في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب به تحصل المساواة بين المجاهدين والتعاضد وإرهاب العدو وتنشيط بعضهم بعضا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضر القتال، صف أصحابه، ورتبهم في مواقفهم، بحيث لا يحصل اتكال بعضهم على بعض، بل تكون كل طائفة منهم مهتمة بمركزها وقائمة بوظيفتها، وبهذه الطريقة تتم الأعمال ويحصل الكمال"انتهى.
فقتال الصف أحب إلى الله من قتال غيره. وعن نعيم بن هبار رضي الله عنه: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الشهداء أفضل؟ قال:"الذين أن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب"