فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 121

فصل في فضل خمول الذكر وعدم حب الشهرة والسمو في الجهاد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع"رواه البخاري.

فهنا وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بأوصاف منها:

أنه أشعث الرأس مغبر القدمان: وذلك أنه قد شغل بأمور الجهاد عن تسوية شعره وتسريحه وعن تنظيف قدميه من الغبار، فلم يكن فارغا، بل كل وقته وهمه قد صرفه للجهاد.

انه إن كان في الحراسة كان فيها وإن كان في الساقة وهي مؤخرة الجيش كان فيها:

أي إن جعل في الحراسة كان فيها وائتمر بالأمر، وإن جعل في مؤخرة الجيش كان فيها وائتمر بالأمر فهو هنا فعل ذلك لأمور:

أنه لا يحب السمو والرفعة، بل يكون حيث يكون ولو كان العمل أقل من قدره وإمكانياته.

أنه يكون حيث يجعل ويرضى بذلك، ولا يريد ما يهوى ويحب من الأماكن.

أنه يأتمر بالأمر ويسمع ويطيع ولا يخالف الأوامر، ولو كان منها ما يكره.

قال السندي في حاشية البخاري على قوله"إن كان في الحراسة كان في الحراسة ..."أي: ثبت فيها ولا يريد التنقل منها إلى مرتبة فوق ذلك، وإلى هذا أشار ابن الجوزي حيث قال المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو، فأي موضع اتفق له كان فيه"انتهى."

وقال ابن بطال في شرح البخاري"وفيه ترك حب الرياسة والشهرة، وفضل الخمول ولزوم التواضع لله، بأن يجهل المؤمن في الدنيا ولا تعرف عينه فيشار إليه بالأصابع"انتهى.

وقال العيني في عمدة القاري"قوله"إن كان في الحراسة"أي في حراسة العدو خوفا من أن يهجم العدو عليهم، وذلك يكون في مقدمة الجيش والساقة مؤخرة الجيش، والمعنى إيتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم، لا يفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة الأول عند دخولهم دار الحرب والآخر عند خروجهم منها"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت