وهذا باب واسع، فأعظم عمل في الجهاد أجرا وفضلا هو الشهادة في سبيل الله، وهو أكثر أعمال الجهاد أحاديثا وفضائلا، والمقام لا يتسع لذكر بعضها فكيف بها كلها، لكن سأذكر بعضها على سبيل الاختصار وأحيل أخي القارئ إلى كتابي الآخر قمة السعادة في فضائل الشهادة فقد جمعت فيه تسعين فضيلة للشهادة مع شرحها، فمن فضائل الشهادة:
أولا: أن الشهيد حي في البرزخ:
قال تعالى"ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون".
وقال تعالى"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون".
وتفسير حياة الشهيد هو أن روح الشهيد عندما تخرج من جسده الأول في الدنيا، فإنها تبدل بجسد آخر وهو الطير الأخضر، فيبقى حيا بذلك، فإن الحياة هي بقاء الروح في الجسد، والموت هو مفارقة الروح للجسد، فأصبح الشهيد بذلك حيا، وهو يعطى هذا الجسد لكي يتمتع باللذات الحسية في الجنة من الأكل والشرب والنكاح وغيره، فإن الروح شيء لطيف لا تأكل ولا تشرب، وإنما تستطيع الأكل والشرب بواسطة الجسد، وبهذا المعنى للحياة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما سئل عن الآية السابقة في حياة الشهداء قال"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ...."رواه مسلم، ففسر الحياة بكون أرواحهم ف جوف طير أخضر.
ومعنى قوله تعالى في الآية السابقة"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ...."أي لا تحسبنهم كبقية الأموات، بل قد خصوا عنهم بكون أرواحهم في أجساد، أما بقية الأموات فإنها تبقى أرواحا مجردة بلا أجساد إلى يوم القيامة.
ثانيا: أن الشهيد لا يجد من ألم القتل وسكرات الموت إلا كمس القرصة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة"رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي"قوله"من مس القتل"وفي رواية ألم القتل"من مس القرصة"وفي رواية ألم القرصة، وهي بفتح القاف وسكون الراء هي المرة من القرص، قال في القاموس القرص أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، ولسع البراغيث انتهى، وذا تسلية لهم عن هذا الخطب المهول"انتهى.
وهذا الحديث يشمل جميع القتلات التي يقتل بها الشهيد، فسواء تمزق جسده إربا، أو تقطعت أطرافه، أو خرقه الرصاص، أو أحرقته الصواريخ أو ... كل ذلك لا يجد منه إلا كمس القرصة.
وإذا كان الشهيد تأتيه عند احتضاره زوجتاه من الحور العين، ويرى مقعده من الجنة كما سيأتي إن شاء الله، وتبشره ملائكة الرحمة التي تبشر كل مؤمن عند موته، فماذا سيحس به من الألم؟