تمهيد:
الأحاديث الواردة في الجهاد وفضائله، إما أن تأتي في فضل الجهاد عامة، بحيث تشمل جميع المجاهدين الذين يطلق عليهم هذا الاسم، وكلهم يثبت لهم هذا الفضل بمجرد دخولهم في عداد المجاهدين إذا احتسبوا وأخلصوا، وإما أن تأتي في فضل عمل خاص من أعمال الجهاد، بحيث لا يثبت هذا الفضل لجميع المجاهدين، بل يثبت فقط لمن عمله دون غيره، وفي هذا الباب سندرس القسم الأول وهو فضائل الجهاد العامة التي تثبت لكل مجاهد في سبيل الله.
الفضيلة الأولى: أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال على الإطلاق بعد الفرائض:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال:"الصلاة على ميقاتها"قلت: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين"قلت: ثم أي؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم: قال: قلت: يا نبي الله أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال:"الصلاة على مواقيتها"قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال:"بر الوالدين"قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال:"الجهاد في سبيل الله".
وفي رواية له: قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله"."
وتقديم الصلاة على الجهاد لأنها فريضة، وتقديم بر الوالدين هنا لأن الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، وفي بر الوالدين أنه فرض عين، وعندما يكون الجهاد فرض الكفاية يجب استئذان الوالدين في ذلك، ولكن عندما يكون الجهاد فرض عين فإنه يقدم على بر الوالدين ولا يشترط إذنهما.
قال ابن حجر في الفتح"فالذي يظهر أن تقديم الصلاة على الجهاد والبر لكونها لازمة للمكلف في كل أحيانه، وتقديم البر على الجهاد لتوقفه على إذن الأبوين"انتهى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال:"إيمان بالله ورسوله"قيل: ثم ماذا؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"قلت: ثم أي؟ قال:"حج مبرور"رواه البخاري ومسلم.
وفي هذا أن الجهاد في سبيل الله أفضل من الحج المبرور، وسيأتي إن شاء في كلام الصحابة ما يؤيد هذا.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال:"إيمان بالله وجهاد في سبيله"رواه البخاري ومسلم.
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لأن أعلى درجة بعد النبوة هي الصديقية، وهي كمال الإيمان بالله ورسله كما قال تعالى"والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون"ويليها درجة الشهادة التي هي من الجهاد، فذكر الجهاد بعد الإيمان في الفضل لكون الشهادة بعد الصديقية في الفضل.
وقال تعالى"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم"