فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 121

فصل في فضل الجراح في سبيل الله:

عن جندب بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه فقال:"هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت"رواه البخاري ومسلم.

وعن جندب قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، إذ أصابه حجر فعثر، فدميت إصبعه، فقال:"هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت"رواه البخاري ومسلم.

قال العيني في عمدة القاري"أي ما أنت يا إصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميت، كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة تسليا لها، أي تثبتي، فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك أيضا هدرا، بل كان في سبيل الله ورضاه"انتهى.

وهذا يدل على أن فضل الجراح في سبيل الله ليس مختصا بالتي تكون في المعركة فقط بفعل العدو، بل يشمل كل ما يصيب المجاهد من الجراح في أثناء جهاده مما يكون خارج المعركة وليس للعدو فيه فعل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أصابه ما أصابه بسبب حجر وأصابه وهو يمشي وقال ما قال مع ذلك.

قال ابن بطال في شرح البخاري"ودل حديث جندب بن سفيان على أن كل ما أصيب به المجاهد في سبيل الله من نكبة أو عثرة، فإن له أجر ذلك على قدر نيته واحتسابه"انتهى.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك"رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية أخرى في الصحيحين"كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله تعالى يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت تفجر دما واللون لون الدم والعرف عرف مسك".

وفي رواية النسائي"جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون ".

وفي هذا الحديث أن من يجرح في سبيل الله يجيء يوم القيامة وجرحه يسيل دما بلون الدم وريح المسك، ليشهد له بفضيلته، وأنه ممن ضحى في سبيل الله حتى سال منه الدم، ويكون أيضا شاهدا على الظالم الذي جرحه بما فعله، ويكون أيضا تشريفا له على رؤوس الخلائق في المحشر برائحة المسك التي تنتشر في المحشر، وتلفت أنظار الناس إليه وهم في العرق والحر الشديد، ونحن نشاهد المجروح في سبيل الله الذي برئ وبقى أثر الجراحة عليه كيف يكون شرفا له في الدنيا، وعلامة على تضحيته، وهو بغير رائحة المسك، فكيف لو كان معها ومع كون الدم يثعب أيضا؟ فكفى بهذا شرفا وفضلا للمجروح في سبيل الله، وهذا الفضل يشمل كل جرح سواء أكان بفعل العدو أم لا، فكل جرح أو خراج أو غيره يحصل للمجاهد في الجهاد فإنه يأتي يوم القيامة على هذه الحال.

قال ابن عبد البر في الاستذكار"وقوله"لا يكلم أحد"معناه لا يجرح، والكلوم الجراح عند العرب"انتهى.

وقال أيضا فيه"وأما قوله عليه السلام"والله أعلم بمن يكلم في سبيله"فإنه يدل على أنه ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح له نية، ويعلم الله تعالى من قلبه أنه يريد وجهه ومرضاته، ولم يخرج رياء ولا مباهاة ولا سمعة ولا فخرا ولا ابتغاء دنيا يقصدها"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت