فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 121

الفضيلة الثامنة: أن أقل أجور الجهاد لا يستطاع عليه:

المجاهد في سبيل الله عندما يخرج من بيته مجاهدا يحتسب له من حين خروجه إلى حين عودته إلى بيته كأجر الصائم القائم القانت بآيات الله، وهذا يحتسب له على مدار اليوم والليلة، وعلى مدار الساعة، سواء كان مباشرا للجهاد والقتال أم كان في الطريق أم كان نائما أم كان متكلما أم عابدا أم ضاحكا أم غيره، فهذا الأجر مستمر ودائم له، وهذا مما ميز به الجهاد عن غيره من العبادات، وهذا الأجر عظيم، ولا يستطاع عليه ولا يقدر، فقد ورد عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال:"لا تستطيعونه"قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول:"لا تستطيعونه"وقال في الثالثة:"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى"رواه البخاري ومسلم.

قال القرطبي في المفهم"وقوله:"ما يعدل الجهاد"أي: ما يعادله ويماثله في الثواب عند الله تعالى."

وقوله:"لا تستطيعونه"أي: لا تطيقون أن تفعلوا ما يساوي ثواب الجهاد، ووجهه: أن كل ما يصدر من المجاهد في حالتي نومه ويقظته، وسكونه وحركته هو عمل صالح يكتب له ثوابه دائمًا، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتى لغيره فيه؛ لأنه على كل حال في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أن المجاهد إما أن ينال من العدو، أو يغيظه، أو يروّعه، أو يكثر سواد المسلمين، أو يصيبه نصب أو مخمصة، وكل ذلك أعمال كثير لها أجور عظيمة، كما قال تعالى:"ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍّ نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين"وعلى هذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله"فشبه المستغرق في أفضل العبادات التي هي الصوم والصلاة، الخاشع فيها؛ الذي لا يفتر بالمجاهد؛ لذلك المعنى الذي ذكرناه آنفًا.

و"القائم"يعني به: في الصلاة و"القانت": الخاشع فيها"انتهى."

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي"قوله"ما يعدل الجهاد"أي أي عمل يساوي الجهاد يعني في الفضل والثواب"مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم"ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة"كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله"زاد النسائي من هذا الوجه"الخاشع الراكع الساجد"وفي الموطأ وابن حبان"كمثل الصائم القائم الدائم"ولأحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعا"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره والقائم ليله"وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر، وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب، لحديث"إن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات"وأصرح منه قوله تعالى"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون""لا يفتر"من الفتور من باب نصر ينصر أي لا يسأم ولا يمل"حتى يرجع المجاهد في سبيل الله"أي إلى بيته أو حتى ينصرف عن جهاده"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت