قال تعالى"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون*يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات فيها نعيم مقيم".
قال في البحر المحيط"فبدأ بالرحمة لأنها الوصف الأعم الناشىء عنها تيسير الإيمان لهم، وثنى بالرضوان لأنه الغاية من إحسان الرب لعبده وهو مقابل الجهاد، إذ هو بذل النفس والمال، وقدم على الجنات لأن رضا الله عن العبد أفضل من إسكانهم الجنة، وفي الحديث الصحيح:"إن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك، فيقول: لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعدها"وأتى ثالثًا بقوله:"وجنات لهم فيها نعيم مقيم"أي دائم لا ينقطع، وهذا مقابل لقوله"وهاجروا"لأنهم تركوا أوطانهم التي نشأوا فيها وكانوا فيها منعمين، فآثروا الهجرة على دار الكفر إلى مستقر الإيمان والرسالة، فقوبلوا على ذلك بالجنات ذوات النعيم الدائم، فجاء الترتيب في أوصافهم على حسب الواقع: الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، وجاء الترتيب في المقابل على حسب الأعم، ثم الأشرف، ثم التكميل، قال التبريزي: ونكر الرحمة والرضوان للتفخيم والتعظيم"برحمة"أي: رحمة لا يبلغها وصف واصف"انتهى.
إن أعظم مطلوب للخلق هو الحصول على رضا الله عز وجل، وهذا فضل من فضائل الجهاد أنه يحصل به هذا الأمر، وكذا من فضائله الفوز برحمة الله كما في الآية السابقة وأيضا قوله تعالى"وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما".
وهذا من أعظم فضائل الجهاد أنه يحصل به ذلك، ولما لا وهو أحب الأعمال إلى الله وأعظمها فضلا وأجرا.
فمن كان يريد ويبحث عن رضا الله ورحمته، فعليه بالجهاد ففيه مطلبه ومبتغاه.