قال تعالى"ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين".
والظمأ: هو العطش.
والنصب: هو التعب والإعياء.
والمخمصة: هي الجوع.
قال ابن سعدي في تفسيره"ففي هذه الآيات أشد ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل اللّه، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات، وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير"انتهى.
وقد قسم شيخ الإسلام في الفتاوى المصائب على قسمين:
مصائب يكون سببها القيام بطاعة الله.
ومصائب لا يكون سببها القيام بطاعة الله.
فالأولى يكون فضلها أنها تكفر السيئات، ويؤجر على الصبر عليها، وتكون هي في نفسها عمل صالح يؤجر عليه كسائر الأعمال الصالحة، واستدل بالآية السابقة، فإن فيها الظمأ والنصب والمخمصة وكلها مصائب في سبيل الله، وقرن ذكرها بالأعمال الصالحة كالنيل من العدو وقال في آخرها"إلا كتب لهم به عمل صالح".
وأما الثانية فإنها تكون مكفرة للسيئات، ويؤجر على الصبر عليها، ولا يؤجر عليها في نفسها.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى"فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله، لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف، لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه، وهذا أشرف النوعين، وأهلها أعظم درجة - وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه - فإن هذا أصيب وأوذي باختياره طاعة لله يثاب على نفس المصائب، ويكتب له بها عمل صالح، قال تعالى:"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين"."
بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار العبد كالمرض وموت العزيز عليه وأخذ اللصوص ماله، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة؛ لكن المصيبة يكفر بها خطاياه، فإن الثواب إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما يتولد عنها. والذين يؤذون على الإيمان وطاعة الله ورسوله ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال هم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم كالمهاجرين الأولين، فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به، ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظه