فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 121

الكفار، وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فعله يقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة"انتهى."

وعلى هذا المصائب في الجهاد كلها كأنها أعمال صالحة كالصلاة والصيام وغيره.

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم"رواه مسلم.

وفي رواية"ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم» رواه مسلم."

قال القاضي عياض في إكمال المعلم"قال الإمام: قال أبو عبيد: الإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئا، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقضها فقد أخفق، وأخفق الصائد إذا خاب"انتهى.

والمعنى في ذلك أنهم إن سلموا وغنموا، فقد حصل لهم بذلك جزاء دنيوي على أعمالهم بحصول الغنيمة والسلامة، وهذا ينقص الأجر، وذلك على القاعدة المذكورة أن كل ما يحصل للمؤمن من نعم الدنيا وترفها فهو من حسناته وأجوره ومنقصة لها في الآخرة، كما قال خباب"هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئا من إذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها"رواه البخاري.

قال ابن دقيق العيد في الإحكام"إن نقص أجر الغانم بما فتح الله عز وجل عليه من الدنيا، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده، إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب منها شيئا، وبقي على شظف عيشه والصبر على غزوه في حاله وجد أجر هذا أبدا في ذلك وافيا مطردا بخلاف الأول، ومثله في الحديث الآخر"فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها"انتهى."

وفي هذا الحديث أن من أصيب في سبيل الله، ولم يحصل مغنما، أن ذلك سبب لتمام أجره عند الله، وذلك أنه لم تكن له غنيمة فتكون جزاء له على حسناته وينقص جزاؤه في الآخرة، وأيضا قد أصابه ما أصابه في سبيل الله ولم يسلم، فكان له أجر المصيبة وأجر الصبر عليها كما قدمنا، ففضل على من سلم وغنم بهذا.

وإذا كان جاء في فضل الغبار الذي هو من أدنى المؤذيات التي تصيب المجاهد ولا يكاد يسلم منه مجاهد ما تقدم ذكره من الفضل العظيم، فكيف بالمصائب والجراح والابتلاءات في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت