فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 121

الفضيلة السابعة: أن الجهاد خير للمؤمنين من قعودهم:

قال تعالى:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

قال الثعلبي في الكشف والبيان""وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم"لأن في الغزو أحد الحسنيين إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة"وعسى أن تحبوا شيئا"يعني القعود عن الغزو"وهو شر لكم"لما فيه من الذل والصغار وحرمان الغنيمة والأجر"والله يعلم وأنتم لا تعلمون""انتهى.

قال الرازي في تفسيره"معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل، وبالضد، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وههنا كذلك، وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم، وحاول قتلكم، فإما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرًا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت، ومنها وجدان الغنيمة، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء."

أما ما يتعلق بالدين فكثيرة منها: ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربًا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة، فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم، فلا تصبرون على المحنة، فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم، فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلبًا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقنًا بفضل الله وبرحمته، وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل، ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان، فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله، فهو خير كثير وبالضد، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا، فالأكثر منفعة هو الراجح، وهذا هو المراد من قوله"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم"انتهى.

وقال القرطبي في تفسيره"والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم."

قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الاندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته"انتهى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت