عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم"رواه ابن ماجه، وحسن إسناده البوصيري في الزوائد، وحسنه الألباني في الصحيحة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وفد الله ثلاثة الغازي والحاج والمعتمر"رواه النسائي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، وكذا المناوي في التيسير.
الوفد هم القوم الذين يجتمعون ويردون ويقدمون على الله، والوفد قد يأتي بناء على دعوة الموفد إليه، وعادة ما يرفدون ويكرمون ويعطون، ولهذا قال في الحديث"دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم"وإضافتهم إلى الله إضافة تشريف، فبنى على هذا الفضل إنهم إن سألوا الله أعطاهم، وإن دعوه أجابهم لأنهم وفده وأضيافه، وهذا يدل على أن المجاهد أقرب إلى إجابة الدعاء والإمداد بالعطاء من غيره.
وإذا كان الله عز وجل حيي كريم يستحي أن يرد يدي عبده صفرا إذا رفعهما إليه كما ورد ولو كان رجلا عاديا غير مجاهد، فكيف إذا كان من رفع إليه هو من وفده وكيف إذا كان سبحانه هو الذي دعاهم للوفادة عليه.
قال القاري في المرقاة"وفي النهاية الوفد القوم يجتمعون ويردون البلاد أو يقصدون الرؤساء للزيارة أو استرفادا وغير ذلك، والحاصل أنهم قوم معظمون عند الكرماء ومكرمون عند العظماء، تعطى مطالبهم وتقضى مآربهم"انتهى.
وقال المباركفوري في المرعاة على حديث أبي هريرة"وفي الصحاح: وفد فلان على الأمير أي ورد رسولًا، فهو وافد، والجمع وفد، مثل صاحب وصحب، فالمعنى السائرون إلى الله لقادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم عادة، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة أو قبلها لكن ترك ذكرها لعدم دوامها، والسفر للعلم لا يطول غالبًا فلم يذكر، والسفر على المساجد الثلاثة المذكورة في حديث"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"ليس بمثابة السفر إلى الحج ونحوه فترك، ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر، والله تعالى أعلم"انتهى.
الفضيلة الرابعة عشر: الجهاد في سبيل الله رهبانية هذه الأمة:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل"رواه أحمد، وحسنه المناوي في التيسير، وله شواهد.
قال المناوي في التيسير على هذا الحديث"فهو لها بمنزلة الترهب، وهو التبتل وترك الشهوات والانقطاع للعبادة الذي عليه النصارى"انتهى.
قال ابن النحاس في المشارع"لما كانت الرهبانية عبارة عن تحمل أشق ما يكون على النفس، سمي الجهاد أيضا رهبانية، لأنه بذل النفس والمال وهو أشق ما يكون، وشتان بين من يجاهد نفسه مع حياتها وتناول بعض ملذوذاتها، وبين من عرضها لأعظم مكروهاتها، وحرص على فنائها وإن كان سبب بقائها وحياتها، اللهم ارزقنا ذلك بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين"انتهى.