عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففتح عليه، وما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا"وقال وإن عينيه لتذرفان"رواه البخاري."
فالشهداء عندما يرون ما أعد لهم من الكرامة التي لا تقارن بالدنيا وما فيها، لا يود أن يرجع إلى الدنيا ويترك ما هو فيه من الفضل والنعيم، ولو جعلت له الدنيا جميعا.
الثالث والعشرون: أن الشهيد يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب:
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن أول ثلة تدخل الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإذا كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، والله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا، وأوذوا في سبيلي وجاهدوا، ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب"رواه أحمد والطبراني وزاد فيه:"ادخلوا الجنة بلا عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبحك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الله جل ذكره: عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"وقال الهيثمي ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عشانة وهو ثقة، وحسن إسناده المنذري في الترغيب، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
وهذا فضل عظيم ينبني على ما سبق من مغفرة الله تعالى للشهيد في الدنيا، فلا هناك ذنوب يحاسب عليها أو يعذب عليها.
الرابع والعشرون: أن الشهيد يجار من عذاب جهنم:
وقد سبق في الفضيلة التي قبل هذا في حديث عبد الله بن عمرو"ادخلوا الجنة بلا عذاب ولا حساب"رواه أحمد.
والشهيد قد غفرت ذنوبه في الدنيا، فلا عذاب عليه، لأن العذاب إنما يكون على الذنوب.
وقد جاء أن الشهيد يجار من عذاب القبر، فإذا أجير من عذاب القبر فقد أجير من عذاب النار، لأن القبر كما ورد عن عثمان أنه كان إذا وقفه على قبر بكى حتى يبل لحية، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"رواه الترمذي، فإذا نجا من عذاب القبر نجا من غيره.
الخامس والعشرون: أن الشهيد يؤمن من فتنة القبر:
عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"رواه النسائي، وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
فالشهيد لا يمتحن ولا يفتن في قبره اكتفاء بامتحان ثباته عند لقائه للعدو ورؤيته للموت.