فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 121

فمن ترك الجهاد عند وجوبه بلا عذر فقد رضي بأن يكون مع الخوالف وهم النساء والذرية، ومن رضي بأن يكون مع الخوالف طبع الله على قلبه ومن طبع الله على قلبه فإنه لا يفقه ولو حمل من العلم ما حمل فهو كالحمار يحمل أسفارا.

أن ترك الجهاد سبب في وقوع الفساد في الأرض وفي أهلها وفشو الكفر والشرك والظلم واستعباد أهلها بعضهم البعض:

قال تعالى"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

وقال تعالى"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا".

ففي هذه الآيتين يبين الله تعالى أنه لولا دفع الله للناس بعضهم ببعض، وذلك التدافع يكون بالجهاد والقتال، لحصل الفساد في الأرض، ولهدمت المساجد والصوامع وقطعت الصلوات، فإن الكفار إذا استولوا على بلد ولم يدفعهم أهل البلد، فإنهم لن يتركوا أهله على حالهم من العبادة والتمسك بالدين الحق، بل لن يرضوا حتى يخرجوا أهل هذا البلد المسلم من دين الإسلام، ويدخلونهم في دينهم، والأندلس خير شاهد.

أن ترك الجهاد سبب لوقوع الأمة في الذل والهوان عند باقي الأمم:

وهذا أمر متحتم ولابد، فإن الجهاد سلاح الأمة الإسلامية، فمتى قوي فقد قوي سلاحهم، فلم يتجرأ عليهم أحد من الأمم، وهذا كان واقع الأمة الإسلامية عندما كان يقومون بالجهاد حق قيامه، فكانت الأمم الأخرى تهابهم وتخنع لهم وتؤدي لهم الجزية، وكان للأمة الإسلامية العزة والرفعة عليهم، ومتى ضعف سلاحهم أو فقدوه تجرأت عليهم سائر الأمم وساموهم القتل والذل والهوان، وسلبوا الأمة شرفها وعزتها كما هو حال الأمة اليوم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام وصححه الألباني في الصحيحة.

وفي رواية"إذا ضن الناس بالدينار و الدرهم و تبايعوا بالعينة و تبعوا أذناب البقر و تركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم"وصححها الألباني في صحيح الجامع.

قال المناوي في التيسير""إذا تبايعتم بالعينة"بكسر العين المهملة وسكون التحتية أن يبيع سلعة بثمن لأجل ثم يشتريها منه بأقل منه ثم قال"وأخذتم أذناب البقر"كناية عن الاشتغال بالحرث"ورضيتم بالزرع"أي بكونه همتكم ونهمتكم"وتركتم الجهاد"أي غزو أعداء الدين"سلط الله عليكم ذلا"بضم الذال المعجمة وكسرها ضعفا واستهانة"انتهى.

وقال الشوكاني في النيل"قوله"ذلا"بضم الذال المعجمة وكسرها أي صغارا ومسكنة، ومن أنواع الذل الخراج الذي يسلمونه كل سنة لملاك الأرض، وسبب هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الاسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت