وأما النور في الجنة، فيكون بحسب درجة صاحبه، فإنه كلما علت الدرجات، كلما كانت الجنة أنور، والشهيد من أعلى أهل الجنة منزلة، فيكون نوره في الجنة عظيما.
قال ابن القيم في الفوائد"أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا وأوسعها عرش الرحمن عز وجل، ولذلك صلح لاستوائه عليه، وكل ما كان أقرب الى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه، ولهذا كانت جنّة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وانورها وأجلّها لقربها من عرش الرحمن الذي هو سقفها , وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير"انتهى.
وقد مضى قريبا أن الشهيد يكون وجهه في الجنة كالقمر ليلة البدر وهذا أعلى ما يكون من نور أهل الجنة كما ورد في حديث البخاري في أول زمرة تدخل الجنة.
عن ابن أبي عميرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل المدر والوبر"رواه أحمد، وحسن إسناده المنذري في الترغيب، وقال الهيثمي في المجمع ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
والمراد بأهل المدر: أهل الحضر، وأهل الوبر: البادية.
فأن تحصل الشهادة لشخص أفضل من أن يكون ملكا على الحاضرة والبادية، وهذا يفيد أنه يكون ملكا على جميع الناس، فإن الناس إما حاضرة أو بادية ولا واسطة.
الثامن عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى الشهادة في سبيل الله:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا"فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثا أشهد بالله"رواه البخاري ومسلم."
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن يقتل في سبيل الله أربع مرات، وهو قد نال شرف النبوة وفضلها، ويكفي هذا شرفا للشهادة وفضلا لها.
ومما يزيد الشهادة أيضا أهمية وفضلا وشرفا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمناها فقط في هذا الحديث، بل ورد أنه تمناها أيضا مرة أخرى، فجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر أصحاب أحد:"أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحض الجبل - يعني سفح الجبل -"رواه أحمد، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح غير ابن اسحاق وقد صرح بالسماع"وعلى ذلك يكون إسناده حسنا."
التاسع عشر: أن الشهيد يتمنى العودة إلى الدنيا لأجل الشهادة:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة"رواه مسلم.