في ماله ما شاء، وليتصرف فيه كما كان يتصرف قبل، ولا حساب عليه، وبشره"."
ومع صحابي جليل آخر نعيش هذه الومضة، مع سعد بن أبي وقاص.
كان له يوم أن أسلم موقف عظيم مع أمه، فحين فشلت كل محولاتها في منعه من دخوله الإسلام قررت أمه أمرا غريبا. قررت أن تمتنع عن الطعام والشراب حتي يعود إلى دين آبائه، ولقد أوشكت بالفعل على الهلاك.
كل ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيع إيمانه ودينه بشيء، حتى ولو يكون هذا الشيء حياة أمه.
وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله إليها ليلقي عليها نظرة وداع مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت.
وذهب سعد ورأى مشهد يذيب الصخر.
بيد أن ايمانه بالله ورسوله كان قد تفوّق على كل صخر، فاقترب بوجهه من وجه أمه، وصاح بها لتسمعه:
"تعلمين والله يا أمّه .. لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء."
فكلي إن شئت أو لا تأكلي".. !"
وعدلت أمه عن عزمها .. ونزل الوحي يحيي موقف سعد، ويؤيده فيقول:
(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)
ولنتأمل خطى مصعب بن عمير وهو يقبل نحو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومجموعة من الصحابة وهو يرتدي جلبابا رثا مرقعا.
حنى الصحابة رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا، حين تذكروا صورته القديمة قبل إسلامه وهو يرفل في الحرير.
تلقاه الحبيب محمدـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بنظرة حب لخصت في إيجاز وإعجاز ماحاك بصدور أصحابه فقال شهادة حق تدخل مصعب الجنة من أوسع أبوابها:
(لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله)