قبل الولوج في هذا الكتاب أذكركم وأذكر نفسي بأن وظيفتنا في هذا الكون، والمهمة التي خلقنا الله من أجلها هي أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، قال تعالي في سورة الرحمن:
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
وحاشا لله أن يتركنا هكذا تتجاذبنا الأهواء ويتلاعب بنا الشيطان، ويتركنا فريسة لنفوسنا الأمارة بالسوء، ولذا فقد بين لنا الحق ـ سبحانه وتعالي ـ السبيل، فقال في سورة الإنسان:
(إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) ، وقال أيضا ـ وقوله الحق ـ في سورة البلد (وهديناه النجدين) أي بينا له الطريقين، طريق الخير ليتبعه، وطريق الشر ليتجنبه.
ووعد ـ ووعده الحق ـ من يمم وجهه وعقله وروحه نحو طريق الهداية بالفلاح و بالدخول في حزبه الذي قال عنه في سورة المجادلة:
(أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)
ووصم هؤلاء الذين اختاروا طريق الضلال بالخسران و الدخول في حزب الشيطان الذي أخبر عنه ـ في سورة المجادلة فقال تعالي:
(ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون)
كلنا يعلم أننا سنموت عاجلا أم آجلا، فالموت سيف مسلط علي رقاب العباد، قال تعالي:
(كل نفس ذائقة الموت) ، وقال أيضا (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)
فما دامت هذه هي النهاية، فلماذا هذا التعلق الجنوني بدنيا فانية؟ كيف تتعامي أعيننا وعقولنا عن إدراك لب الحقيقة و نشتري الفناء بالبقاء؟ كيف نبيع جنة عرضها السماوات والأرض بلذة زائلة توردنا التهلكة في نار جهنم؟
أعلم كما تعلمون أن من آفات الإنسان النسيان والتعلق بالأمل، وأن آفته الكبرى نسيان ربه بحواسه ـ ربه الذي خلقه وأمده بتلك الحواس ـ فكلنا والحمد لله نعرف أن الله حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الحساب والميزان والجنة والنار حق.
ولكن، هل يقف دورنا عند حد المعرفة فقط؟ لا أظن، ولا أخالكم تظنون مثلي أن هذا يكفينا كي نؤدي المهمة الموكلة إلينا ـ في هذا الوجود ـ علي خير وجه.