قلت له: كيف؟
قال: مات أبي قرير العين، وكأنه اختار الميتة التي أرادها.
استفززتني إجابته، وألححت في السؤال مرة أخرى.
قال في هدوء وانشراح صدر يحسد عليه:
مات وسيجارته في فمه، وهو يشاهد فيلما لنجمته الأجنبية المفضلة، بعد أن تناول طعام الغذاء الذي كان دوما يشتهيه، وملأ بطنه عن آخره.
تاهت الكلمات من ذاكرتي، تبعثرت حروف العزاء واختلطت بمداد الحسرة، نامت كفي في كف جاري وأنا لائذ بالصمت حين تخيلت والده وهو مطروح بقبره على نفس الهيئة التي مات عليها وملائكة الحساب يستجوبونه.
وإلى هنا انتهت قصتي مع جاري، لكن بالقطع مازالت قصة أبيه في قبره مستمرة حتى يرث الأرض ومن عليها، ولو لم يتغمده الله برحمته لعاش حسرة البرزخ وندامة الحساب وذل الجحيم في الآخرة.
سؤال طرق ذهني بقوة الأن، وأنا أستعيد معكم أحداث هذه القصة. ترى كم يبدو الفارق بين ميتة كتلك وميتة أخرى لعبد آخر كان يتصفح كتاب الله، بعد أن تسوك، وملأ بطنه بالقليل من الزاد وأشبع بطن مسكين أو يتيم؟