والانقياد للأمر إكرام وإعزاز، ومُحَالٌ أن يُهينَ القلبُ من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستَخِفَّ به ... » [1] .
الوجه الثالث: أنهم «ظنّوا أن كل من حكم الشرع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحسَّ والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظَّار» [2] .
الوجه الرابع: «أنَّا نعلم أنَّ من سب الله ورسوله طوعًا بغير كُرْه؛ بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وأنّ من قال: إنّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقرّ، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلّا بشرط صدق الشهادة وهذا كقوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ... } [المائدة: 73] ، وقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] وأمثال ذلك» [3] .
وبهذا يتبيَّن بطلان زعم الجهمية والمرجئة في أنَّ اعتقاد صدق الرسول لا ينافي الاستهزاء والشتم، فمجرد تصور هذا المذهب كافٍ في بطلانه لأنّ القوم انحرفوا عن تحكيم الكتاب والسنة على أنفسهم قولًا
(1) «الصارم المسلول» (ص 519 - 520) .
(2) «مجموع الفتاوى» (7/ 191) .
(3) المصدر نفسه (7/ 557 - 558) .