فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 1137

الذي أثبتته الآية: {قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} المقصود به الإيمان الظاهر، كالنطق باللسان؛ مع بقاء الكفر في الباطن، وهذا فيه نظر.

قال ابن تيمية: «وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولًا بقلوبهم، لا يصح، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، فإن أريد إنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، مازالوا هكذا؛ بل لمَّا نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق، وتكلموا بالاستهزاء، صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدُلُّ اللفظ على أنهم مازالوا منافقين ... ولهذا قيل: {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} ، فدلَّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنهم كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وكذلك قال غير واحد من السلف في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثمَّ عموا، وعرفوا ثم أنكروا، وآمنوا ثم َّكفروا ... » [1] .

فظهر أن هذا الرجل الذي نطق بالاستهزاء والازدراء بأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كان معه إيمان، فهو من المسلمين الذين خرجوا مع رسول الله - عليه الصلاة والسلام - إلى تبوك، مجاهدًا في سبيل الله، فلما أتى باللفظ الدال على الكفر والردة، المناقض للإيمان مناقضة الضدِّ للضد، بحيث

(1) «مجموع الفتاوى» (7/ 272 - 274) . وانظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص 618 - 619) ، و «فتح المجيد» (ص 522 - 523) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت