بصدق الرُّسُل، وقالوا: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] ، هؤلاء، وقالوا لنوح - عليه السلام: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] ، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولوا أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] ، فإذا رأى الشريفُ الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسل حمي وأنف أن يُسلم، فيكون مثله، وقال: أُسْلِم فأكون أنا وهذا الوضيع على حَدٍّ سواء؟» [1] .
وبهذا يتبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان شديد الحرص على إسلام السادة والكبراء من قومه، فبإسلامهم ودخولهم في دين الله، تتبعهم فيه سائر قريش، ولذلك همَّ أن يفعل ما أراده الملأ [2] ، ووقع في نفسه - عليه الصلاة والسلام - رغبة في هدايتهم، ونجاتهم من النار، فجاءه العتاب من الله تعالى والنهي عن إنفاذ ذاك الهمِّ: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] .
قال ابن كثير: «أي لا تُبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخِصَّاءك كقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] » [3] .
(1) «إغاثة اللهفان» (2/ 161) .
(2) ذهب بعض المفسرين كالرازي، عند تفسير هذه الآية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، فطرد المستضعفين والفقراء، وهذا باطل كما وضحته رواية مسلم السابقة. انظر: «محاسن التأويل» (3/ 321) للقاسمي.
(3) «تفسير القرآن العظيم» (2/ 215) .