آخر رأى يحيى المسيح مقبلًا. فقال: هذا خروف الله»، ثم علق رحمه الله على هذا السخف والهراء، فقال: «هذه طامة أخرى .. بينما كان كلمة الله، وابن الله، وإلهًا يخلق (على حدِّ زعم النصارى) صار خروف الله - وحاش أن يضاف إليه خروف إلا على سبيل الخلق والملك، وإنما يضاف الخروف إلى من يتخذه للأكل أو الذبح، أو لمن يربيه للفحلة، أو لعبي يلعب به، ويصبغه بالحناء، وتعالى الله عن كلِّ هذا، فصحَّ أنها من عمل عيَّار مستخفٍ، ونعوذ بالله من الضلال» [1] .
أقول هذا ليس بمستغرب من أمة تنقصت الله - جل وعلا -، ووصفته بما لا يليق بجلاله، وعظيم سلطانه أن تطعن في أنبيائه.
قال ابن القيم: «ولم يقنعهم هذا القول في رب السموات والأرض، حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلًا مقهورًا، وهو يحمل خشبته التي صلبوه عليها، واليهود يبصقون في وجهه، ويضربونه، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة، حتى مات، وتركوه مصلوبًا حتى التصق شعره بجلده، لما يبس دمه بحرارة الشمس، ثم دفن، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره.
هذا قولهم جميعهم، ليس فيهم من ينكر منه شيئًا» [2] . قاتلهم الله أنى يؤفكون من أمة زعمت أنها بهذا المعتقد في عيسى ابن مريم - عليه السلام - قصدت إكرامه وتبجيله، كما قيل في المثل «عدوٌّ عاقل خيرٌ من صديق
(1) «الفصل» (2/ 171، 173) .
(2) «إغاثة اللهفان» (2/ 290) . وانظر: «هداية الحيارى» (ص 209) ، و «الجواب الصحيح» (2/ 108) ، و «إظهار الحق» (2/ 1311) حيث نقل نص إنجيل لوقا، وفيه: «كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه وغطوه، وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين: تنبأ من هو الذي ضربك ... » .