ويستهزئون، ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا [1] .
الثاني: لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينةً بُنيت، قالوا: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتًا يمشي على الماء؛ فعجبوا من قوله وسخروا منه، قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر؛ فلذلك سخروا منه؛ ومياه البحار هي بقية الطوفان» [2] .
وعلى كلا القولين اللذين ذكرهما القرطبي رحمه الله يكون المعنى كما قال ابن عاشور: «حمل فعله على العبث، بناء على اعتقادهم أنَّ ما يصنعه لا يأتي بتصديق مدَّعاه» [3] من النبوة والرسالة.
يقول سيد قطب رحمه الله: «والتعبير بالمضارع، فعل الحاضر هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدَّته، فنحن نراه ماثلًا لخيالنا من وراء هذا التعبير، يصنع الفلك، ونرى الجماعات من قومه والمتكبرين يمرون به فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم: إنه رسول ويدعوهم، ويجادلهم فيطيل جدالهم؛ ثم إذا هو ينقلب نجارًا يصنع مركبًا ... إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الأمر، ولا يعلمون ما وراءه من وحي وأمر، شأنهم دائمًا في إدراك الظواهر، والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير.
فأما نوح فهو واثق عارف، وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة، واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية .. نسخر منكم لأنكم لا تدرون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير ... » [4] .
(1) ذكره الشيخ الشنقيطي رحمه الله في «الأضواء» (2/ 165) ولم يذكر غيره.
(2) «الجامع لأحكام القرآن» (9/ 23) للقرطبي. وانظر: «زاد المسير» (4/ 103) لابن الجوزي.
(3) «التحرير والتنوير» (12/ 68) .
(4) «في ظلال القرآن» (4/ 1877) .