قال الغزالي:"ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع" [1] .
وعلى هذا فإن مناط الحُكْم لايتجرَّد ويتلخَّص متميزًا بحدِّه على كلِّ مالا يُعْتَبر فيه, وجامعًا لكلِّ ماهو معتبرٌ فيه"إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشرع" [2] .
وجهة الشرع منحصرةٌ في الكتاب والسُّنَّة نصًَّا ودلالة , وبهذا تكون السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية من أدلة تنقيح المناط.
والاستدلال بالسُّنَّة على تنقيح مناطات الأحكام لايقتصر على دلالة النصِّ فحسب, بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها , والأفعال, وقرائن الأحوال , وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم التي جرت مجرى العادة في الأحكام إثباتًا ونفيًا.
قال الغزالي:"تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفًا .." [3] .
ومن الأمثلة على ذلك:
-أن السُّنَّة جاءت بأحكامٍ كثيرةٍ تتعلَّق بالعتق: من تطرق القرعة إليه , واستحقاقه بسبب القرابة , وكيفية نفوذه من المريض , وكيفية تعلُّق الولاية , وكيفية كونه سببًا في الولاية , ونحو ذلك , والسُّنَّة في تلك الأحكام كلها تُجْرِي الذكورَ مجرى الإناث , ولاتلتفت إلى الاختلاف بينهما أصلًا , فعدم تعرُّض السُّنَّة لهذا الاختلاف في تلك الأحكام دليلٌ على أن مدخل الذكورة
(1) شفاء الغليل: (430) .
(2) أساس القياس: (52) .
(3) المرجع السابق: (52) .