وهذا مبنيٌّ - أيضًا - على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابد له من مؤثِّر، وذلك المؤثِّر إما القدر المشترك بين الأصل والفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فثبت أن المشترك هو العِلَّة، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحُكْم [1] .
قال الفخر الرازي:"فهذا طريقٌ جيد، إلا أنه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر؛ لأنَّا قلنا: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الإشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فتعيَّن الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّة الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقُّق الحُكْم في الفرع، فهذا هو طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوتٍ أصلًا" [2] .
أما الشيخ الأمين الشنقيطي فقد اعتبر النوع الثاني فقط من تنقيح المناط هو بعينه طريق السَّبْر والتقسيم [3] .
قال- رحمه الله-:"النوع الثاني من تنقيح المناط هو بعينه السَّبْر والتقسيم" [4] .
والنوع الثاني - كما تقدَّم [5] هو:"أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي".
من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم والعلاقة بينهما تبيَّن لي الآتي:
أولًا: إن أصحاب الإتجاه الأول يعتبرون السَّبْر والتقسيم مسلكًا مستقلًا في إثبات العِلِّية، ويفرِّقون بينه وبين تنقيح المناط بأن السَّبْر والتقسيم يختصُّ
(1) ينظر: (65 - 67) .
(2) المحصول: (5/ 123 - 231) .
(3) ينظر: نثر الورود (2/ 524) ، مذكرة أصول الفقه (390) .
(4) نثر الورود: (2/ 524) .
(5) ينظر: (64 - 65) .