ومن الأمثلة على الإيماء والتنبيه الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنَّة النبوية:
-قوله صلى الله عليه وسلم:"من اقتنى كلبًا إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراطان" [1] .
حيث رتَّب الحُكْم الذي هو نقصان الأجر على الوصف الذي هو اقتناء الكلب -لا لصيدٍ أو ماشية- بصيغة الجزاء , فتكون العِلَّة في نقصان الأجر هو الاقتناء لغير حاجة , وهو من أنواع الإيماء بالعِلَّة؛ لأن الجزاء يعقب شرطه ويلازمه، ولا معنى للسبب إلا ما يثبت عقب الحُكْم ويوجد بوجوده [2] .
ثانيا: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام , وهويشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة , وماعُلِم من عادتهما في شرع الأحكام.
وقد تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان: [3]
الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصف , فيُحذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار , ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعم.
والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصاف، فيُحذَف بعضها عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وحاصل هاتين الصورتين أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم [4] ، وكلاهما لابدَّ أن يُسْتَنَدُ فيه إلى دليلٍ شرعي؛ لأن الشرع كما اختصَّ بتقرير الأحكام فقد اختصَّ - أيضًا- باعتبار الأوصاف المؤثرة في تلك الأحكام وعدم اعتبارها كذلك , فلزم الرجوع إلى شواهد الشرع [5] .
(1) أخرجه مسلم في"صحيحه", كتاب المساقاة , باب الأمر بقتل الكلاب , رقم (1574) من حديث عبدالله ابن
عمر رضي الله عنهما.
(2) ينظر: روضة الناظر (3/ 842) , شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 366 - 367) , البحر المحيط للزركشي (5/ 201 - 202) , التحبير شرح التحرير (7/ 3329) , شرح الكوكب المنير (4/ 129) .
(3) ينظر: (71) .
(4) ينظر: (71) .
(5) ينظر: المستصفى (3/ 598) , شفاء الغليل (412) , أساس القياس (50) ,المقترح للبروي(215 -
216), نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3179) , شرح الكوكب المنير (4/ 203) ,